
وكالة الجامعة الإخبارية
محمود الرواشدة
بدأ مجلس التعليم العالي إجراءات تشكيل مجالس أمناء الجامعات الأردنية، في ضوء أحكام قانون الجامعات الأردنية المعدل لسنة 2026، الذي أعاد تنظيم تركيبة مجالس الأمناء، في خطوة تستهدف تعزيز الحوكمة المؤسسية ورفع كفاءة صناعة القرار في مؤسسات التعليم العالي.
ويأتي بدء تشكيل المجالس الجديدة بعد دخول القانون المعدل لقانون الجامعات الأردنية حيز التنفيذ، عقب نشره في الجريدة الرسمية، متضمنا جملة من التعديلات التي طالت بنية منظومة التعليم العالي وآليات إدارتها، وفي مقدمتها إعادة تنظيم مجالس الأمناء وتقليص أعداد أعضائها، بما يعزز فاعليتها وقدرتها على الاضطلاع بأدوارها الرقابية والاستراتيجية.
وبموجب التعديلات الجديدة، جرى تخفيض عدد أعضاء مجلس التعليم العالي إلى 10 أعضاء، فيما أعيد تنظيم تشكيل مجلس أمناء الجامعة الرسمية ليضم رئيس مجلس الأمناء وأربعة أعضاء من ذوي الخبرة والرأي في مجال التعليم العالي ممن يحملون رتبة الأستاذية، إلى جانب أعضاء آخرين وفقا لما نص عليه القانون المعدل.
ويعكس هذا التوجه التشريعي رغبة في الانتقال بمجالس الأمناء من التركيز على التمثيل العددي إلى التركيز على الكفاءة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار، بما يمنح هذه المجالس مساحة أكبر للقيام بدورها في رسم التوجهات الاستراتيجية للجامعات ومتابعة أدائها وتعزيز قدرتها على الاستجابة لمتطلبات التطور في قطاع التعليم العالي.
وتكتسب مجالس الأمناء أهمية خاصة باعتبارها أحد أهم أطر الحوكمة في الجامعات، إذ لا يقتصر دورها على الجوانب الإدارية، وإنما يمتد إلى رسم السياسات العامة للجامعة، وإقرار خططها الاستراتيجية، ومتابعة أدائها، وتعزيز قدرتها على تحقيق أهدافها الأكاديمية والبحثية والتنموية، بما ينسجم مع حاجات المجتمع وسوق العمل.
ويُنظر إلى تقليص أعداد أعضاء مجالس الأمناء بوصفه أحد مداخل تعزيز كفاءة العمل المؤسسي، إذ إن المجالس الأصغر والأكثر تخصصا يمكن أن تكون أكثر قدرة على مناقشة الملفات واتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها، شريطة أن تستند عملية الاختيار إلى معايير واضحة تضمن الكفاءة والخبرة والنزاهة والاستقلالية. وقد برزت خلال مناقشات القانون دعوات لاعتماد معايير موحدة لاختيار رؤساء وأعضاء مجالس الأمناء، ترتكز على الكفاءة والخبرة والنزاهة، وربط عمل المجالس بمؤشرات أداء واضحة.
وتأتي التعديلات الجديدة في سياق أوسع لإعادة النظر في منظومة الحوكمة في التعليم العالي الأردني، ومعالجة ما وصفته المبررات التشريعية بوجود ضعف في كفاءة الحوكمة نتيجة تضخم تشكيل بعض المجالس وعدم وضوح معايير اختيار القيادات الجامعية، إلى جانب الحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي بما يواكب المتغيرات التي يشهدها قطاع التعليم العالي.
ومن هنا، فإن أهمية مجالس الأمناء في المرحلة المقبلة لن تقاس بعدد أعضائها أو طبيعة تشكيلها فقط، وإنما بمدى قدرتها على ممارسة دورها كجسر بين الجامعة ومحيطها الوطني والاقتصادي والمجتمعي، وتحويل الخطط والاستراتيجيات إلى نتائج قابلة للقياس.
كما يبرز دور المجالس في تعزيز استقلالية الجامعات ومسؤوليتها في آن واحد؛ فالحوكمة الفاعلة لا تعني التدخل في التفاصيل الأكاديمية والإدارية اليومية، بقدر ما تعني وضع الأطر الاستراتيجية ومراقبة الأداء والمساءلة عن النتائج، بما يتيح للإدارات الجامعية مساحة أوسع للعمل والتنفيذ ضمن أهداف واضحة ومؤشرات محددة.
ويضع القانون المعدل أمام مجلس التعليم العالي مسؤولية مهمة في اختيار تشكيلات قادرة على ترجمة فلسفة التعديل إلى ممارسة مؤسسية، بحيث تكون الخبرة الأكاديمية والإدارية والقدرة على قراءة مستقبل التعليم العالي عوامل أساسية في اختيار أعضاء مجالس الأمناء.
ومع بدء تشكيل المجالس الجديدة، تتجه الأنظار إلى طبيعة الأسماء التي ستتولى هذه المسؤولية، ومدى قدرتها على تقديم نموذج جديد في إدارة الجامعات، يقوم على التخطيط الاستراتيجي، والرقابة الفاعلة، وربط الأداء الجامعي بمؤشرات الجودة والتنافسية والبحث العلمي وخدمة المجتمع.
ويؤكد ذلك أن إعادة تشكيل مجالس الأمناء ليست مجرد تغيير في عدد الأعضاء أو مسميات المناصب، بل تمثل جزءا من مسار إصلاحي أوسع يستهدف تطوير منظومة التعليم العالي الأردنية، وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات المرحلة المقبلة، وبناء جامعات أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على إنتاج المعرفة والمساهمة في التنمية الوطنية.

